أحمد عبد الفتاح زواوي
45
شمائل الرسول ( ص )
الذي ينبني على تساوي المتخاصمين في بيان دعواهما ، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّما أنا بشر وإنّكم تختصمون ، إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذ فإنّما أقطع له قطعة من النّار » « 1 » ، أما عدل اللّه عزّ وجلّ بين المتخاصمين فهو العدل المطلق الذي لا يقدر عليه إلا اللّه - سبحانه وتعالى - . ويتفرع عليه براءة النبي صلى اللّه عليه وسلم براءة ربانية أن يكون قد مال في حكمه - طيلة حياته - لأحد المتخاصمين ضد الآخر ولو كان من قرابته وأهل بيته صلى اللّه عليه وسلم . وأدل دليل على عدله صلى اللّه عليه وسلم في الحكم ، هو قول اللّه - تعالى - : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [ النساء : 105 ] ، قال الشيخ السعدي - رحمه اللّه - ( أي بما علمك اللّه وألهمك ) « 2 » . الفائدة الرابعة : الإيمان الذي يرضي اللّه - سبحانه وتعالى - ويرضى به على العبد المسلم ، هو إيمان قلب وجوارح ، إيمان عمل واعتقاد ، إيمان رضى وتسليم ، حيث إن اللّه عزّ وجلّ أمر بالتحاكم إلى سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم أمر بمطلق الانقياد والرضى والتسليم . ويتفرع عليه كذب من ينهمك في المعاصي والذنوب ويدعي بأن اللّه رب قلوب ، يقصد بذلك أنه إذا كان القلب نظيفا فلا داعي لعمل الجوارح ، والآية ترد عليهم ، كما هي حجة على من يهتم بالعبادات الظاهرة ويهمل العبادات الباطنة . الفائدة الخامسة : إذا كانت الآية قد نزلت بمناسبة التحكيم بين اثنين من الصحابة - في أمر من أمور الدنيا - إلا أنها عامة في وجوب الرضى والتسليم بكل ما قضاه النبي صلى اللّه عليه وسلم وأمر به ، من أمور الدنيا والآخرة ، بل أقول : إن الرضى بأمور الآخرة أوجب وأوجب ، والقاعدة الأصولية تنص على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . الفائدة السادسة : لا يدخل شخص النبي صلى اللّه عليه وسلم في عموم نهيه عن حكم القاضي وهو غضبان ، فعن عبد الرّحمن بن أبي بكرة قال : كتب أبو بكرة إلى ابنه - وكان بسجستان - بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان فإنّي سمعت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان » « 3 » . ودليله من الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما غضب وتلوّن وجهه من قول
--> ( 1 ) البخاري ، كتاب : الأحكام ، باب : موعظة الإمام للخصوم ، برقم ( 7169 ) ، ومسلم ، كتاب : الأقضية ، باب : الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ، برقم ( 1713 ) ، من حديث أم سلمة رضي الله عنها . ( 2 ) انظر « تيسير الكريم الرحمن » ، ( 199 ) . ( 3 ) البخاري ، كتاب : الأحكام ، باب : هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان ، برقم ( 7158 ) ، ومسلم ، كتاب : الأقضية ، باب : كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ، برقم ( 1717 ) .